بن عيسى باطاهر

229

المقابلة في القرآن الكريم

بين الصورة وما يقابلها ، وتناسق جميع الأجزاء بعضها مع بعض ، حتى إذا حاولت أن تعرض جانبا واحدا من الصورة فقد الجانب الآخر رونقه وحسنه ، وهذا الجمال الفني الذي تفيده المقابلة عبّر عنه أحد الشعراء قديما فقال : الوجه مثل الصبح مبيضّ * والشعر مثل اللّيل مسودّ ضدان لما استجمعا حسنا * والضدّ يظهر حسنه الضدّ فالضد يظهر حسنه الضد ، وبضدها تتميّز الأشياء ، هذا في مستويات العرض البسيطة المألوفة لدى البشر ، أما حين يكون العرض في قمة الكمال المعنوي والأدبي كما هو الحال في القرآن الكريم ، فذلك هو عين الجمال الفني الذي يعجز عنه البشر في كلامهم . وهذا الجمال الذي أبدعه اللّه في الكون ومشاهده ، والذي يدركه ويتذوقه أي إنسان سليم في طبعه ، متأتاه الجمع بين الأشياء ونظائرها ، والحقائق وأضدادها ولذلك قال تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 49 ) [ الذاريات : 49 ] . فالذي يعطي للنهار جمالا وأهمية وجود الليل ، والذي يعطي للحياة قيمة وطعما وجود الموت ، والذي يعطي للإيمان قيمة وجمالا وجود الكفر ، وهكذا في جميع الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة . فالجمال سمة ظاهرة في القرآن الصامت وهو الكون ، وسمة بارزة في القرآن الناطق ، وقد كان للمقابلة وغيرها من الأساليب فضل المساهمة في إضفاء صفة الجمال على الأسلوب القرآني ، وإذا أخذنا مثالا من القرآن فسنجد فيه صدق ما نقول ، فمن ذلك مثلا قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) [ آل عمران : 106 - 107 ] . إنّ مصدر الجمال الفني في هذه الآيات هو في الجمع بين مشهدين متقابلين من مشاهد يوم القيامة ، « فنحن في مشهد هول ، هول لا يتمثل في